فخر الدين الرازي
236
تفسير الرازي
وأما الثالث : فجوابه أن كلمة " من " صارت مفسرة في الآية السابقة بكلمة " في " يعني في قوم عدو لكم ، فكذا ههنا يجب أن يكون المعنى ذلك لا غير . واعلم أن فائدة هذا البحث تظهر في مسألة شرعية ، وهي أن مذهب أبي حنيفة أن دية الذمي مثل دية المسلم ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : دية اليهودي والنصراني ثلث دية المجوسي ، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم . واحتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية : * ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ) * المراد به الذمي ، ثم قال : * ( فدية مسلمة إلى أهله ) * فأوجب تعالى فيهم تمام الدية ، ونحن نقول : إنا بينا أن الآية نازلة في حق المؤمنين لا في حق أهل الذمة فسقط الاستدلال ، وأيضا بتقدير أن يثبت لهم أنها نازلة في أهل الذمة لم تدل على مقصودهم ، لأنه تعالى أوجب في هذه الآية دية مسلمة ، فهذا يقتضي إيجاب شيء من الأشياء التي تسمى دية ، فلم قلتم إن الدية التي أوجبها في حق الذمي هي الدية التي أوجبها في حق المسلم ؟ ولم لا يجوز أن تكون دية المسلم مقداراً معينا . ودية الذمي مقداراً آخر ، فان الدية لا معنى لها إلا المال الذي يؤدى في مقابلة النفس ، فان ادعيتم أن مقدار الدية في حق المسلم وفي حق الذمي واحد فهو ممنوع ، والنزاع ما وقع إلا فيه ، فسقط هذا الاحتجاج والله أعلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وههنا عكس هذا الترتيب ، إذ لو أفاده لتوجه الطعن في إحدى الآيتين فصار هذا كقوله : * ( ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة ) * ( البقرة ) 58 ) وفي آية أخرى * ( وقولوا حطة ) * ( البقرة : 58 ) * ( وادخلوا الباب ) * ( البقرة : 154 ، الأعراف : 161 ) والله أعلم . المسألة الثالثة : في هؤلاء الذين بيننا وبينهم ميثاق قولان : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم أهل الذمة من أهل الكتاب . الثاني : قال الحسن : هم المعاهدون من الكفار . ثم قال تعالى : * ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ) * أي فعليه ذلك بدلا عن الرقبة إذا كان فقيرا ، وقال مسروق إنه بدل عن مجموع الكفارة والدية ، والتتابع واجب حتى لو أفطر يوما وجب الاستئناف إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس ، وقوله : * ( توبة من الله ) * انتصب بمعنى صيام ما تقدم ، كأنه قيل : اعملوا بما أوجب الله عليكم لأجل التوبة من الله ، أي ليقبل الله توبتكم ، وهو كما يقال : فعلت كذا حذر الشر . فان قيل : قتل الخطأ لا يكون معصية ، فما معنى قوله : * ( توبة من الله ) * . قلنا فيه وجوه : الأول : أن فيه نوعين من التقصير ، فان الظاهر أنه لو بالغ في الاحتياط لم يصدر عنه ذلك الفعل ، ألا ترى أن من قتل مسلما على ظن أنه كافر حربي ، فلو أنه بالغ في الاحتياط